عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
70
اللباب في علوم الكتاب
المصلحة في الدين ؛ لأن قولهم لا يؤثر في المصالح ، وقد بينا من قبل تلك المصلحة ، وهي تمييز من اتبعه ب « مكة » ممن أقام على تكذيبه فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلّا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة ، فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة ، فلهذا قال اللّه تعالى : « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ » يعني أنّ تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل ، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أن يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى ، وهو قول بعض العرب : إن محمدا - عليه الصلاة والسلام - عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية ، وكان التمسك بهذه الشبهة ، والاستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل والكفر ، وذلك ظلم [ للنفس ] « 1 » على ما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] فلا جرم ، قال اللّه تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخشون » . أي : لا تخشوا من يتعنّت ويجادل ، ولا تخافوا طعنهم في قبلتكم ، فإنهم لا يضرونكم ، واخشوني ، واحذروا عقابي إن عدلتم عما ألزمتكم ، وفرضت عليكم . و « الخشية » : أصلها : طمأنينة في القلب تبعث على التوقي والخوف ، و « الخوف » : فزع في القلب تخف له الأعضاء ، ولخفّة الأعضاء به يسمى خوفا ، ومعنى التحقير لكل من سوى اللّه تعالى ، والأمر باطّراح أمرهم ومراعاة أمر اللّه تعالى . قال بعضهم : الخوف أوّل المراتب ، وهو الفزع ، ثم بعده الوجل ، ثم الخشية ، ثم الرّهبة ] « 2 » . قوله : « ولأتمّ » فيه أربعة أوجه : أظهرها : أنه معطوف على قوله : « لئلّا يكون » كأن المعنى : عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم ، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ، ولإتمام النعمة ، فيكون التعريف معلّلا بهاتين العلّتين : [ إحداهما : لانقطاع حجّتهم عنه . والثانية : لإتمام النعمة . وقد بيّن مسلم الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما يفعلون ، فلما حوّل - عليه الصلاة والسلام - إلى « بيت المقدس » لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب التحوّل إلى الكعبة ، لما فيها من شرف البقعة ، فهذا موضع النعمة ] « 3 » ، والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل إذ هو من متعلق العلة الأولى . الثاني : أنه معطوف على علّة محذوفة ، وكلاهما [ معلولها ] « 4 » الخشية السابقة ،
--> ( 1 ) في ب : على النفس . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : معلول .